*مَفْهُومُ القَابِلِيَّةِ لِلتَّغْيِيرِ فِي الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ :
تُعْتَبَرُ الحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ رِحْلَةً عُمْرِيَّةً مُشْتَرَكَةً، لَا تَسِيرُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ تَتَعَرَّضُ
لِمُتَغَيِّرَاتٍ كَثِيرَةٍ تَفْرِضُهَا ظُرُوفُ الحَيَاةِ وَتَطَوُّرُ الشَّخْصِيَّاتِ. وَمِنْ هُنَا، تَبْرُزُ "القَابِلِيَّةُ
لِلتَّغْيِيرِ" (أَوْ المُرُونَةُ النَّفْسِيَّةُ وَالسُّلُوكِيَّةُ) كَأَحَدِ أَهَمِّ الرَّكَائِزِ لِإِنْجَاحِ هَذِهِ العَلَاقَةِ
وَاسْتِمْرَارِهَا.
إنَّ القَابِلِيَّةَ لِلتَّغْيِيرِ لَا تَعْنِي إِذَابَةَ شَخْصِيَّةِ طَرَفٍ فِي الآخَرِ، وَلَا تَعْنِي التَّخَلِّيَ عَنِ المَبَادِئِ
الأَسَاسِيَّةِ، بَلْ هِيَ القُدْرَةُ عَلَى التَّكَيُّفِ الإِيجَابِيِّ، وَتَعْدِيلِ بَعْضِ العَادَاتِ وَالسُّلُوكِيَّاتِ لِتَلْبِيَةِ
احْتِيَاجَاتِ الشَّرِيكِ، وَمُوَاجَهَةِ تَحَدِّيَاتِ الحَيَاةِ بِرُوحٍ فَرِيقِيَّةٍ.
*أَهَمِّيَّةُ المُرُونَةِ وَالتَّغْيِيرِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ :
تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ امْتِلَاكِ عَقْلِيَّةٍ قَابِلَةٍ لِلتَّغْيِيرِ فِي نِقَاطٍ جَوْهَرِيَّةٍ، مِنْهَا:
اسْتِمْرَارِيَّةُ الحُبِّ وَالمَوَدَّةِ: النُّمُوُّ المُشْتَرَكُ يُجَدِّدُ دِمَاءَ العَلَاقَةِ وَيَحْمِيهَا مِنَ الرُّوتِينِ
وَالمَلَلِ.
تَجَاوُزُ الأَزَمَاتِ: تَمُرُّ الحَيَاةُ بِتَقَلُّبَاتٍ مَالِيَّةٍ، صِحِّيَّةٍ، أَوْ اجْتِمَاعِيَّةٍ (مِثْلَ وِلَادَةِ الأَطْفَالِ)؛
وَالمُرُونَةُ هِيَ المِظَلَّةُ الَّتِي تَحْمِي الزَّوْجَيْنِ مِنْ عِصْفَانِ هَذِهِ المَرَاحِلِ.
تَقْلِيلُ الفَجْوَةِ الفِكْرِيَّةِ: مَعَ تَقَدُّمِ العُمْرِ، تَتَبَدَّلُ بَعْضُ القَنَاعَاتِ، وَقَابِلِيَّةُ كُلِّ طَرَفٍ لِتَفَهُّمِ
تَغْيِيرِ الآخَرِ تَمْنَعُ حُدُوثَ الجَفَاءِ العَاطِفِيِّ.
لِتَحْقِيقِ هَذِهِ المُرُونَةِ بِشَكْلٍ صِحِّيٍّ، يُمْكِنُ اتِّبَاعُ الخُطُوَاتِ التَّالِيَةِ:
الحِوَارُ الهَادِئُ وَالمُصَارَحَةُ: يَجِبُ أَنْ يُعَبِّرَ كُلُّ طَرَفٍ عَمَّا يُزْعِجُهُ أَوْ مَا
يَحْتَاجُهُ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ وَبَعِيدٍ عَنِ اللَّوْمِ.
التَّدَرُّجُ فِي التَّعْدِيلِ: العَادَاتُ السَّيِّئَةُ الَّتِي اسْتَمَرَّتْ لِسَنَوَاتٍ لَا تَتَغَيَّرُ بَيْنَ لَيْلَةٍ
وَضُحَاهَا، لِذَا فَالصَّبْرُ مَطْلُوبٌ.
التَّرْكِيزُ عَلَى المَكَاسِبِ المُشْتَرَكَةِ: عِنْدَمَا يُدْرِكُ الشَّخْصُ أَنَّ تَنَازُلَهُ عَنْ رَأْيٍ أَوْ
تَغْيِيرَهُ لِسُلُوكٍ سَيَعُودُ بِالاسْتِقْرَارِ عَلَى بَيْتِهِ، يُصْبِحُ التَّغْيِيرُ سَهْلًا وَمَحْبُوبًا.
تَقَبُّلُ الاختِلَافِ الفِطْرِيِّ: هُنَاكَ أُمُورٌ فِي الشَّخْصِيَّةِ (كَالخَجَلِ أَوْ الانْطِوَائِيَّةِ) قَدْ
لَا تَتَغَيَّرُ كُلِّيًّا، وَهُنَا يَأْتِي دَوْرُ "التَّقَبُّلِ" بَدَلًا مِنَ الضَّغْطِ المُسْتَمِرِّ.
خَاتِمَةٌ :
فِي الخِتَامِ، إِنَّ المُرُونَةَ وَالقَابِلِيَّةَ لِلتَّغْيِيرِ هِيَ المِلْحُ الَّذِي يَحْفَظُ الحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ مِنَ
التَّلَفِ. فَالجُمُودُ وَالعِنَادُ يُحَوِّلَانِ المَنْزِلَ إِلَى حَلْبَةِ صِرَاعٍ، بَيْنَمَا التَّفَهُّمُ وَالمُطَاوَعَةُ
يَجْعَلَانِهِ مَلَاذًا آمِنًا دَافِئًا. فَلْنَحْرِصْ دَائِمًا عَلَى أَنْ نَكُونَ لَيِّنِينَ فِي أَيْدِي بَعْضِنَا بَعْضًا،
لِنَبْنِيَ عِلَاقَةً تَقْوَى بِالأَيَّامِ وَلَا تَنْكَسِرُ أَمَامَ العَوَاصِفِ.
آلِيَّاتُ تَعْزِيزِ القَابِلِيَّةِ لِلتَّغْيِيرِ وَعَقَبَاتُهَا :
لَا يَقِفُ قِطَارُ الحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ عِنْدَ مُجَرَّدِ فَهْمِ فِكْرَةِ التَّغْيِيرِ، بَلْ يَتَطَلَّبُ الأَمْرُ مُمَارَسَةً عَمَلِيَّةً
مُسْتَمِرَّةً، وَوَعْيًا بِالعَقَبَاتِ الَّتِي قَدْ تَقِفُ حَائِلًا دُونَ تَحْقِيقِ هَذِهِ المُرُونَةِ.
عَقَبَاتٌ تَحُولُ دُونَ التَّغْيِيرِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ:
تُوجَدُ بَعْضُ المَفَاهِيمِ الخَاطِئَةِ وَالسُّلُوكِيَّاتِ الَّتِي تَزِيدُ مِنْ جُمُودِ العِلَاقَةِ، وَمِنْ أَبْرَزِهَا:
العِنَادُ وَاعْتِبَارُ التَّغْيِيرِ هَزِيمَةً: يَظُنُّ بَعْضُ الأَزْوَاجِ أَنَّ التَّنَازُلَ عَنْ مَوْقِفٍ أَوْ تَعْدِيلَ
سُلُوكٍ هُوَ خُضُوعٌ أَوْ خِسَارَةٌ لِلْكِبْرِيَاءِ، وَهَذَا وَهْمٌ يَهْدِمُ العِلَاقَاتِ.
عَقْلِيَّةُ "هَذَا أَنَا وَلَنْ أَتَغَيَّرَ": التَّمَسُّكُ بِالعُيُوبِ تَحْتَ شِعَارِ العَفْوِيَّةِ أَوْ الأَصَالَةِ يُعَدُّ
أَنَانِيَّةً تُفْسِدُ العَيْشَ المُشْتَرَكَ.
المُقَارَنَاتُ الظَّالِمَةُ: مُقَارَنَةُ الشَّرِيكِ بِآخَرِينَ لِإِجْبَارِهِ عَلَى التَّغْيِيرِ تَخْلُقُ رَدَّةَ فِعْلٍ
عَكْسِيَّةً مَلِيئَةً بِالنُّفُورِ وَالغَضَبِ.
أَوَّلًا: التَّقْيِيمُ الذَّاتِيُّ الدَّوْرِيُّ: يَنْبَغِي لِكُلِّ طَرَفٍ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ: "مَا
هِيَ السُّلُوكِيَّاتُ الَّتِي أَقُومُ بِهَا وَتُسَبِّبُ ضِيقًا لِشَرِيكِ حَيَاتِي؟ وَكَيْفَ أُعَدِّلُهَا؟".
ثَانِيًا: التَّشْجِيعُ وَالثَّنَاءُ عَلَى المُحَاوَلَاتِ: عِنْدَمَا يُبْدِي الشَّرِيكُ مُرُونَةً أَوْ يُغَيِّرُ طَبْعًا
سَيِّئًا، يَجِبُ مُقَابَلَةُ ذَلِكَ بِالشُّكْرِ وَالامْتِنَانِ؛ فَالتَّقْدِيرُ هُوَ الوَقُودُ الَّذِي يَدْفَعُ الإِنْسَانَ لِتَقْدِيمِ المَزِيدِ.
ثَالِثًا: خَلْقُ بِيئَةٍ آمِنَةٍ لِلخَطَأِ: التَّغْيِيرُ رِحْلَةٌ فِيهَا كَبَوَاتٌ. فَإِذَا أَخْطَأَ الشَّرِيكُ أَوْ عَادَ
لِعَادَتِهِ القَدِيمَةِ لِمَرَّةٍ، يَجِبُ احْتِوَاؤُهُ وَعَدَمُ تَوْبِيخِهِ، بَلْ تَشْجِيعُهُ عَلَى البَدْءِ مِنْ جَدِيدٍ.
قَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ: "إِنَّ بِنَاءَ بَيْتٍ سَعِيدٍ لَا يَتَطَلَّبُ زَوْجَيْنِ مِثَالِيَّيْنِ، بَلْ يَتَطَلَّبُ زَوْجَيْنِ
لَدَيْهِمَا الاسْتِعْدَادُ الكَامِلُ لِلتَّعَلُّمِ، وَالنُّمُوِّ، وَالتَّطَوُّرِ مَعًا يَدًا بِيَدٍ."

إرسال تعليق