يعتبر اضطراب طيف التوحد حالة نموية عصبية ترافق الإنسان منذ لحظات تكوينه
الأولى وتستمر معه كجزء أصيل من تكوينه
البيولوجي والنفسي طوال حياته، فهو ليس سحابة صيف عابرة أو وعكة صحية يشفى
منها المرء بتناول الدواء، بل هو اختلاف في "هندسة" الدماغ وطريقة معالجته للمدخلات
الحسية والاجتماعية. إن الفهم الخاطئ الذي يروج للتوحد كونه مرحلة مؤقتة تنتهي بمجرد
وصول الطفل لسن معينة أو خضوعه لعدد من جلسات التعديل السلوكي، يتسبب في
ضغط نفسي هائل على الأسر ويخلق توقعات غير واقعية تحول دون تقديم الدعم الحقيقي
للشخص التوحدي. فالحقيقة العلمية تؤكد أن الخلايا العصبية والوصلات الدماغية لدى
التوحديين تعمل بنمط مختلف تماماً عن النمط السائد، وهذا الاختلاف هو الذي يحدد كيف
يرى الشخص العالم وكيف يتفاعل معه، وهذا النمط لا يتبدل بمرور الزمن وإنما يتطور
وينضج.
عندما نراقب طفلاً توحدياً يحرز تقدماً كبيراً في النطق أو في المهارات الاجتماعية، فإن ما
نراه ليس "اختفاء" للتوحد، بل هو ثمرة تعلم مهارات تعويضية ذكية، فالشخص التوحدي
يتعلم كيف يفك شفرات العالم الذي لا يشبهه، تماماً كشخص يعيش في بلد غريب ويتعلم
لغته ببراعة، لكنه يظل في جوهره منتمياً لثقافته الأصلية. ومع انتقال الشخص من مرحلة
الطفولة إلى المراهقة ثم الشباب، تتبدل التحديات وتتغير الأدوات، فالطفل الذي كان
يرفرف بيديه تعبيراً عن الحماس قد يتحول لشاب يفرغ طاقته في هواية تقنية دقيقة أو
بحث علمي عميق، والمشكلات التي كانت تظهر كصعوبة في اللعب مع الأقران قد تتحول
في الكبر إلى انتقائية عالية في اختيار العلاقات أو حاجة أكبر للعزلة والهدوء لاستعادة
التوازن النفسي.
إن فكرة انتظار "الشفاء" تجعل الأهل والمجتمع في حالة ترقب دائم لليوم الذي يصبح فيه
الشخص "طبيعياً"، وهذا الانتظار يحرم الشخص التوحدي من حقه في أن يُقبل كما هو،
ويمنع المحيطين به من اكتشاف مواطن القوة الفريدة التي يمتلكها، مثل الصدق المطلق،
والدقة المتناهية، والقدرة على رؤية التفاصيل التي يغفل عنها الجميع. وبدلاً من استنزاف
الجهود في محاولة محو سمات التوحد، يتجه الفكر الحديث نحو التمكين والتعايش، من
خلال تهيئة بيئة تحترم احتياجات الشخص الحسية وتفهم حاجته للروتين والوضوح. إن
التصالح مع حقيقة أن التوحد هو رفيق درب دائم هو أول خطوة في طريق النجاح
الحقيقي، لأنه ينقلنا من مربع الصراع مع الواقع إلى مربع البناء فوقه، لنصل في النهاية
إلى أن التوحد ليس نقصاً يحتاج للإكمال، بل هو اختلاف يحتاج للتقدير والاستيعاب في
نسيج المجتمع ككل.وعلى هذا الأساس، فإن استمرارية التوحد لا تعني الركود أو العجز،
بل تعني أن رحلة التطور ستتخذ مسارات غير تقليدية تتطلب صبراً وفهماً عميقاً لطبيعة
هذا الاختلاف. ففي مراحل الشباب والرشد، يبدأ الشخص التوحدي في بناء استراتيجياته
الخاصة لمواجهة العالم، حيث يطور ما يُعرف بـ "الآليات التعويضية" التي تمكنه من
إدارة حياته العملية والاجتماعية، ورغم أن التحديات الحسية مثل الحساسية المفرطة تجاه
الأصوات أو الأضواء قد تظل قائمة، إلا أنه يتعلم كيف يختار بيئاته بعناية وكيف يضع
حدوداً تحمي توازنه النفسي. إن المجتمعات الواعية هي التي تتوقف عن محاولة
"إصلاح" التوحدي ليتناسب مع القالب الاجتماعي الضيق، وتبدأ بدلاً من ذلك في توسيع
هذا القالب ليستوعب التنوع العصبي، مدركةً أن هؤلاء الأشخاص يضيفون للعالم أبعاداً
من المنطق والوضوح والنزاهة التي قد يفتقدها الكثيرون.
إن التخلي عن وهم "المرحلة التي ستمر" يحرر الشخص التوحدي من الشعور بالفشل
الدائم لأنه لم يصبح "طبيعياً" بعد، ويمنحه الثقة في أن طريقته في التفكير والوجود هي
طريقة مشروعة ولها قيمتها. فالنجاح الحقيقي للشخص التوحدي لا يُقاس بمدى قدرته على
إخفاء سماته التوحدية، بل بمدى قدرته على تحقيق الاستقلالية والسعادة وهو فخور
بهويته. وهذا يتطلب دعماً مستمراً لا ينقطع بانتهاء سنوات المدرسة، بل يمتد ليشمل
فرص عمل تحترم قدراته، وعلاقات إنسانية تقوم على التقبل والوضوح. وفي نهاية
المطاف، يظل التوحد جزءاً لا يتجزأ من ثراء التجربة البشرية، وهو يذكرنا بأن العقل
البشري ليس نمطاً واحداً، بل هو أطياف متعددة من الذكاء والإدراك، وأن الاحترام
المتبادل لهذا الاختلاف هو الجسر الوحيد لبناء مجتمع متصالح مع نفسه بكل فئاته.
بقلم /الكاتبة سيدة حسن

إرسال تعليق